أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

9

العقد الفريد

قال الحكيم : وجدت مثل الدنيا والمغرور بالدنيا المملوءة آفات ، مثل رجل ألجأه خوف إلى بئر تدلّى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر ، ووقعت رجلاه على شيء فمدّهما . فنظر فإذا بحيّات أربع قد أطلعن رءوسهنّ من جحورهنّ ، ونظر إلى أسفل البئر فإذا بثعبان فاغر فاه نحوه ، فرفع بصره إلى الغصن الذي يتعلق به فإذا في أصله جرذان أبيض وأسود يقرضان الغصن دائبين لا يفتران ؛ فبينما هو مغتم بنفسه وابتغاء الحيلة في نجاته ، إذ نظر فإذا بجانب منه جحر نحل قد صنعن شيئا من عسل ، فتطاعم منه فوجد حلاوته ، فشغلته عن الفكر في أمره والتماس النجاة لنفسه ، ولم يذكر أن رجليه فوق أربع حيات لا يدري من تساوره منهنّ ، وأن الجرذين دائبان في قرض الغصن الذي يتعلق به ، وأنهما إذا قطعاه وقع في لهوة « 1 » التنين . ولم يزل لاهيا غافلا حتى هلك . قال الحكيم : فشبهت الدنيا المملوءة آفات وشرورا ومخاوف بالبئر ؛ وشبهت الأخلاط التي بني جسد الإنسان عليها ، من المرّتين والبلغم والدم بالحيات الأربع وشبهت الحياة بالغصنين اللذين تعلق بهما وشبهت الليل والنهار ودورانهما في إفناء الأيام والأجيال بالجرذين الأبيض والأسود اللذين يقرضان الغصن دائبين لا يفتران ؛ وشبهت الموت الذي لا بد منه بالتنين الفاغر « 2 » فاه ؛ وشبهت الذي يرى الإنسان ويسمع ويطعم ويلبس فيلهيه ذلك عن عاقبة أمره وما إليه مصيره بالعسيلة التي تطاعمها . من ضرب به المثل من الناس قالت العرب : أسخى من حاتم ، وأشجع من ربيعة بن مكدّم ، وأدهى من قيس ابن زهير . وأعزّ من كليب بن وائل . وأوفى من السّموأل . وأذكى من إياس بن معاوية . وأسود من قيس بن عاصم . وأمنع من الحارث بن ظالم . وأبلغ من سحبان ابن وائل . وأحلم من الأحنف بن قيس وأصدق من أبي ذرّ الغفاريّ . وأكذب من

--> ( 1 ) لهوة : جمع لهى ، وهي ما يلقيه الطاحن من الحب في فم الرحى بيده ( 2 ) الفاغر : الفاتح .